Muflihin Pro

النسب الشريف والمولد العظيم والنشأة المباركة

السيرة النبوية · ١٢ دقائق للقراءة

من النسب الطاهر إلى الرضاعة في بني سعد

اصطفاء الله لنسبه الشريف

اقتضت حكمة الله تعالى أن يبعث خاتم أنبيائه ورسله من أطهر الأنساب وأشرفها، ليكون ذلك أدعى لقبول دعوته ورفعة قدره بين قومه. فهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر (وهو قريش) بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان. ويمتد هذا النسب الطاهر إلى نبي الله إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام. وقد حفظ الله عز وجل سلسلة نسب النبي ﷺ من سفاح الجاهلية وعاداتها، فجاء من نكاح صحيح طاهر كابراً عن كابر. أما أبوه فهو عبد الله الذي كان أحب أبناء عبد المطلب إليه، وهو الذبيح الذي فداه عبد المطلب بمائة من الإبل بعد أن نذر نذراً بذبحه إن رزقه الله عشرة من الأبناء. وبعد نجاته زوّجه أبوه بآمنة بنت وهب سيدة نساء بني زهرة نسباً وشرفاً. ولم يلبث عبد الله طويلاً بعد زواجه حتى خرج في تجارة إلى الشام، وفي طريق عودته مرض وتوفي في يثرب (المدينة المنورة) ودُفن فيها، وترك زوجته آمنة حاملاً بخير من وُطئت قدمه الثرى.

المولد المعجز وعام الفيل

أراد الله أن يمهد لمولد نبيه بأحداث عظام تلفت أنظار العالم إلى مكة المكرمة. ففي العام الذي وُلد فيه النبي ﷺ، جهز أبرهة الحبشي جيشاً جراراً يتقدمه فيل ضخم لهدم الكعبة المشرفة، فدفع الله كيدهم وأرسل عليهم طيراً أبابيل رمتهم بحجارة من سجيل، فحمت العناية الإلهية البيت العتيق. وسُمي ذلك العام بعام الفيل (الموافق لعام 571 ميلادية). وفي فجر يوم الإثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول من ذلك العام المبارك، أشرق نور المصطفى ﷺ بمكة المكرمة. وقد رُوي أن أمه آمنة لم تجد في حملها تعباً ولا مشقة كما تجد النساء، ورأت حين وضعته نوراً أضاءت له قصور بصرى بالشام. ولما وُلد يتيماً، حمله جده عبد المطلب فرحاً مستبشراً، ودخل به الكعبة شاكراً الله، واختار له اسماً لم يكن مألوفاً بين العرب وهو محمد، ولما سُئل عن سر هذه التسمية قال: أردت أن يحمده الله في السماء، ويحمده الناس في الأرض.

الرضاعة في ديار بني سعد

كانت من عادة أشراف العرب في مكة أن يرسلوا أبناءهم الرضع إلى بادية الصحراء، لينشأوا في هواء نقي، ويشتد عودهم، ويتعلموا فصاحة اللغة العربية الأصيلة قبل أن تخالطها لغات الحواضر. التمس عبد المطلب لرضيعه المراضع، فكان من نصيب حليمة السعدية التي جاءت مع نساء قومها تبحث عن رضعاء. كانت حليمة تعاني من فقر شديد وجدب في ذلك العام، وكانت تركب أتاناً (أنثى الحمار) هزيلة متأخرة عن الركب، وناقتها لا تدر قطرة لبن. وما إن أخذت الطفل اليتيم (محمداً) ﷺ ووضعته في حجرها حتى در ثدياها باللبن فشبع وشبع أخوه من الرضاعة، ودرّت ناقتهم، وأسرعت دابتها حتى سبقت القافلة كلها. أدركت حليمة وزوجها أنهما أخذا نسمة مباركة، وعاش النبي ﷺ في بني سعد ينمو نمواً سريعاً لا يشبه نمو باقي الأطفال، يحيط به الخير والبركة أينما حل.

حادثة شق الصدر

بقي النبي ﷺ في بني سعد حتى بلغ الرابعة من عمره. وفي يوم من الأيام، بينما كان يلعب مع الغلمان، حدث أمر خارق للعادة؛ إذ نزل عليه جبريل عليه السلام، فأخذه وصرعه، وشق صدره الشريف، واستخرج قلبه، وأخرج منه علقة سوداء قائلاً: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسل قلبه في طست من ذهب بماء زمزم، وأعاده إلى مكانه. أسرع الغلمان إلى حليمة يصرخون: إن محمداً قد قُتل!، فهرعت إليه مع زوجها فوجداه منتقع اللون متأثراً مما حدث، لكنه كان سليماً. خافت حليمة عليه خوفاً شديداً بعد هذه الحادثة، وقررت إعادته إلى أمه وجده في مكة، بعد أن أمضى في البادية سنوات صقلت جسده وفصاحته.

مرارة اليتم من جديد

عاد الطفل إلى حضن أمه آمنة، ولما بلغ السادسة من عمره، قررت أمه أن تذهب به إلى يثرب (المدينة) لزيارة أخوال جده (بني النجار) ولزيارة قبر زوجها عبد الله. بقيت هناك شهراً، وفي طريق العودة إلى مكة، فاجأها المرض واشتد عليها، ففاضت روحها في منطقة تُسمى الأبواء (بين مكة والمدينة). وقف الطفل الصغير ذو الست سنوات وحيداً يبكي عند قبر أمه، وعاد إلى مكة في كفالة حاضنته أم أيمن ليزداد يتمه يتماً، وتتولى العناية الإلهية تربيته وإعداده للمهمة العظمى.

كفالة الجد والعم

بعد وفاة أمه، ضمه جده عبد المطلب إليه، وكان يعطف عليه عطفاً فاق محبته لأبنائه. كان لعبد المطلب فراش يوضع له في ظل الكعبة لا يجرؤ أحد من أبنائه على الجلوس عليه هيبة له، فكان الطفل محمد ﷺ يأتي ويجلس عليه، فيحاول أعمامه إبعاده، فيقول لهم عبد المطلب: دعوا ابني هذا، فوالله إن له لشأناً عضيماً. لكن حنان الجد لم يطل؛ فما إن بلغ النبي ﷺ الثامنة من عمره حتى توفي عبد المطلب. وقبل وفاته أوصى بكفالته لعمه أبي طالب (وهو الشقيق الوحيد لوالده عبد الله). كان أبو طالب رجلاً قليل المال كثير العيال، لكنه كان سيداً مطاعاً. أحب محمداً حباً شديداً، فكان لا ينام إلا وهو بجانبه، ولا يخرج إلا وهو معه، وبارك الله لأبي طالب في طعامه القليل ببركة وجود النبي ﷺ بينهم.

رحلة الشام وقصة بحيرا الراهب

لما بلغ النبي ﷺ الثانية عشرة من عمره، قرر عمه أبو طالب الخروج في قافلة تجارية إلى الشام. وتعلق به محمد ﷺ فصعب على عمه فراقه وأخذه معه. عندما وصلت القافلة إلى منطقة بُصرى بالشام، نزلوا بالقرب من صومعة راهب نصراني عالم بالكتب السماوية يُدعى بحيرا. كان بحيرا يرى القافلة من بعيد وتظللها غمامة أينما سارت، ولما نزلوا تحت شجرة مالت أغصانها لتظلل النبي ﷺ. نزل بحيرا إليهم وصنع لهم طعاماً، وأخذ يتأمل ملامح الفتى الصغير، وسأله عن أشياء في نومه وحاله، ثم نظر بين كتفيه فرأى خاتم النبوة كما هو موصوف في الإنجيل. التفت بحيرا إلى أبي طالب وسأله: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني (يقصد ابن أخيه)، فقال بحيرا: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً. ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه من اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغُنَّه شراً، إنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم. فاستجاب أبو طالب وأعاده إلى مكة سريعاً حماية له.

الرعاية الربانية في مطلع شبابه

شبّ النبي ﷺ في مكة محفوظاً بعناية الله من كل رذائل الجاهلية وعاداتها الوثنية. لم يسجد لصنم قط، ولم يشرب خمراً، ولم يحضر مجالس اللهو التي كان شباب مكة يرتادونها. ولكي يكسب قوته ويعتمد على نفسه، عمل في مطلع شبابه برعي الغنم لأهل مكة على قراريط (أجور زهيدة). وقد قال لاحقاً لأصحابه: ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم. وفي رعي الغنم حكمة بالغة؛ فهي تربي في النفس الصبر، والرحمة، والتأمل، وحسن الإدارة، لتكون تدريباً ربانياً له على رعاية الأمم وقيادة البشرية في المستقبل.

اقرأ القصص الإسلامية في التطبيق

يضم تطبيق Muflihin Pro قصص الأنبياء والصحابة والسيرة النبوية مع القرآن والأذكار ومواقيت الصلاة. مجاني على Google Play.

حمّله من Google Play

جميع القصص الإسلامية