Muflihin Pro

الشباب الطاهر، التجارة، والزواج، وحكمة التحكيم

السيرة النبوية · ١٢ دقائق للقراءة

من الصدق والأمانة إلى زواج خديجة والعدل في بناء الكعبة

الحفظ الرباني والنشأة على مكارم الأخلاق

شب رسول الله ﷺ في مكة المكرمة، وكانت العناية الإلهية تكلؤه وتحوطه من كل جانب، فكان الله عز وجل يصنعه على عينه ويحفظه من أرجاس الجاهلية وعاداتها ومفاسدها، تمهيداً لحمل الرسالة الخاتمة. فلم يُعرف عنه في شبابه طيشٌ ولا لهو، ولم يشرب الخمر قط، ولم يأكل مما ذُبح على النُّصُب (الأصنام)، بل كان ينفر من رؤية الأصنام وسماع الأقسام باللات والعزى. وقد حفظه الله حتى في الأمور المعتادة لشباب مكة؛ فقد رُوي عنه أنه حين كان يرعى الغنم، فكر مرتين في النزول إلى مكة لحضور حفلات زفاف وسماع العزف والغناء كما يفعل الشباب، وفي كلتا المرتين، ضرب الله على أذنه النوم بمجرد أن وصل، فلم يستيقظ إلا على حرارة شمس اليوم التالي، فعصمه الله من مجالس اللهو. وقد تحلّى ﷺ بأرقى مكارم الأخلاق؛ من المروءة، والشجاعة، والحلم، وصدق الحديث، وعفة النفس، وحسن الجوار، حتى أصبح مضرب المثل في مكة كلها، وأجمع أهلها على تلقيبه بـ الصادق الأمين، فكانوا يودعون عنده أماناتهم ونفائسهم لثقتهم المطلقة فيه.

حرب الفجار وحلف الفضول

في فترة شبابه، شارك النبي ﷺ في حدثين اجتماعيين بارزين صقلا شخصيته وأظهرا انحيازه للحق والعدل. الحدث الأول (حرب الفجار): وهي حرب اندلعت بين قبيلة قريش (ومعها كنانة) وبين قبيلة هوازن، وسُميت بـ الفجار لانتهاكهم حرمة الأشهر الحرم. كان النبي ﷺ حينها في الخامسة عشرة من عمره (وقيل في العشرين)، ولم يشارك في القتال المباشر، بل اقتصر دوره على جمع النبال والسهام التي يرميها الأعداء ومناولتها لأعمامه، ليكون بذلك مشاركاً في الدفاع عن قومه دون أن تتلطخ يده بدم. الحدث الثاني (حلف الفضول): وهو من أنبل الأحداث في الجاهلية. فقد اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان، وتعاهدوا وتعاقدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوماً إلا قاموا معه وكانوا على ظالمه حتى تُرد إليه مظلمته. وقد شهد النبي ﷺ هذا الحلف وهو شاب، وكان يعتز به جداً بعد أن أكرمه الله بالنبوة، حتى قال عنه لاحقاً: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حِلفاً ما أحب أن لي به حُمْرَ النَّعَم (أغلى الإبل)، ولو دُعيت به في الإسلام لأجبت. وهذا يدل على تأصل روح العدالة ونصرة المظلوم في فطرته الشريفة.

التجارة بمال خديجة ورحلة الشام

لما بلغ النبي ﷺ الخامسة والعشرين من عمره، كان قد عُرف بين تجار مكة ببراعته وأمانته. وفي ذلك الوقت، كانت السيدة خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة، ذات شرف ومال، تستأجر الرجال ليتاجروا بمالها. وكانت خديجة تُلقب في الجاهلية بـ الطاهرة لشدة عفافها ورجاحة عقلها. سمعت السيدة خديجة بصدق حديث محمد ﷺ وعظيم أمانته وكرم أخلاقه، فأرسلت إليه تعرض عليه أن يخرج في تجارة لها إلى الشام، على أن تعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، وأن يرافقه غلام لها (خادم) يُدعى ميسرة. قبل النبي ﷺ العرض، وخرج بالقافلة نحو الشام. وفي هذه الرحلة، حقق أرباحاً مضاعفة لم تعهدها تجارة خديجة من قبل. والأهم من ذلك، كان الغلام ميسرة يراقب عن كثب أخلاق النبي ﷺ في البيع والشراء؛ فرأى من صدقه، وأمانته، وسماحته ما أدهشه. كما لاحظ ميسرة أموراً عجيبة، منها أن غمامتين (سحابتين) كانتا تظلان النبي ﷺ من حر الشمس في مسيره.

الزواج الميمون من السيدة خديجة

عادت القافلة إلى مكة بأرباح وفيرة، ففرحت خديجة بمالها، لكن فرحتها الكبرى كانت بما قصه عليها غلامها ميسرة من عجائب أخلاق محمد ﷺ وشمائله التي لا تُضاهى. وقعت محبة النبي ﷺ وإجلاله في قلب خديجة، فرأت فيه الزوج المثالي الذي تتمنى كل امرأة قرشية الارتباط به (وكان كبار سادة قريش قد تقدموا لخطبتها فرفضتهم). فكاشفت صديقتها نفيسة بنت منية برغبتها، فذهبت نفيسة بذكاء إلى النبي ﷺ تُلمّح له بالأمر وتسأله: ما يمنعك من الزواج؟ فقال: ما بيدي ما أتزوج به. فقالت: فإن كفيت ذلك، ودُعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب؟ قال: فمن هي؟ قالت: خديجة. وافق النبي ﷺ، وذهب مع أعمامه (أبي طالب وحمزة) إلى عم خديجة عمرو بن أسد فخطبوها له وتم الزواج. كان عمر النبي ﷺ حينها خمساً وعشرين سنة، وعمر السيدة خديجة أربعين سنة. كانت خديجة نعم الزوجة، والسند الأول له، رُزق منها بجميع أولاده (ما عدا إبراهيم فهو من مارية القبطية)، وهم: القاسم (وبه يُكنى أبا القاسم)، وعبد الله، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة رضي الله عنهم أجمعين.

قصة بناء الكعبة وحكمة التحكيم العظيمة

مضت السنوات والنبي ﷺ يعيش حياة زوجية هانئة، ويحظى باحترام متزايد في مجتمعه. ولما بلغ عمره الشريف خمساً وثلاثين سنة، تعرضت مكة لسيل عارم جرف أجزاء من الكعبة وصدّع جدرانها. فقررت قريش هدمها وإعادة بنائها لرفع بنيانها وتسقيفها. اشترطت قريش على نفسها شرطاً عظيماً؛ وهو ألا يُدخلوا في بناء الكعبة إلا مالاً حلالاً طيباً، فلا يُقبل مالٌ من ربا، ولا مالٌ من ظلم، ولا مهر بغي. وهذا أدى إلى قصر نفقتهم، فبنوا الكعبة على شكلها الحالي وتركوا جزءاً منها (حجر إسماعيل) خارج البناء لضيق النفقة الحلال. شارك النبي ﷺ مع قومه في البناء، فكان ينقل الحجارة على كتفه مع عمه العباس. سارت الأمور بسلام حتى وصل البنيان إلى موضع الحجر الأسود. هنا شبّ الخلاف والنزاع؛ فكل قبيلة تريد أن تنال شرف رفع الحجر الأسود ووضعه في مكانه. اشتد النزاع حتى تحالفوا على القتال، وأحضرت بعض القبائل جفنة (وعاء) مملوءة بالدم، وغمسوا أيديهم فيها تعاهداً على الموت (فيما عُرف بلعقة الدم)، وتوقف العمل في الكعبة لعدة أيام، وأصبحت مكة على شفا حرب أهلية طاحنة. وفي يوم من الأيام، اجتمع سادة قريش للتشاور، فأشار عليهم أسنُّهم (أبو أمية بن المغيرة) قائلاً: اجعلوا بينكم حكماً؛ أول من يدخل من باب هذا المسجد (باب بني شيبة). فوافقوا وانتظروا بترقب. شاءت إرادة الله أن يكون أول الداخلين هو محمد بن عبد الله ﷺ. فلما رأوه هتفوا بصوت واحد فرحين مستبشرين: هذا الأمين، رضينا.. هذا محمد! ولما أخبروه بالخلاف، طلب بثوب (رداء)، فبسطه على الأرض، ثم أخذ الحجر الأسود بيديه الشريفتين ووضعه في وسط الثوب، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعاً. ففعلوا ورفعوه حتى أوصلوه إلى موضعه، فتناوله النبي ﷺ بيده ووضعه في مكانه، ثم بنوا عليه. بهذه الحكمة النبوية البالغة، وسرعة البديهة، حقن النبي ﷺ دماء العرب، وأنقذ قريشاً من حرب طاحنة، ورضي الجميع بحكمه. وهكذا كانت الأقدار تُعدّ هذا الشاب الصادق الأمين، ذو العقل الراجح والأخلاق العظيمة، لحدث يغير مجرى التاريخ، ولأمانة أثقل وأعظم؛ أمانة الوحي والرسالة السماوية.

اقرأ القصص الإسلامية في التطبيق

يضم تطبيق Muflihin Pro قصص الأنبياء والصحابة والسيرة النبوية مع القرآن والأذكار ومواقيت الصلاة. مجاني على Google Play.

حمّله من Google Play

جميع القصص الإسلامية