Muflihin Pro

نزول الوحي، بشائر النبوة، ومرحلة الدعوة السرية

السيرة النبوية · ١٤ دقائق للقراءة

من غار حراء إلى دار الأرقم وبداية الدعوة الخفية

الإرهاصات وحب الخلوة في غار حراء

لما اقترب النبي ﷺ من سن الأربعين، وهي سن كمال العقل والنضج، بدأت تظهر عليه إرهاصات (مقدمات) النبوة. فكان أول ما بُدئ به ﷺ من الوحي رؤيا الصباح؛ فكان لا يرى رؤيا في منامه إلا جاءت كفلق الصبح (أي تتحقق بوضوح تام في الواقع)، واستمر ذلك معه ستة أشهر. كما أنطقه الله بحب العزلة، فحُبِّبَ إليه الخلاء، وأصبح ينفر من ضجيج مكة وصخبها وعبادتها للأصنام. فكان يأخذ زاداً من ماء وسويق (طعام)، ويخرج إلى جبل النور الذي يبعد عن مكة قليلاً، ليصعد إلى غار حراء. وهو غار صغير في قمة الجبل يطل على الكعبة المشرّفة. كان النبي ﷺ يخلو في هذا الغار ليالي ذوات العدد (تصل إلى شهر كامل، وخاصة في شهر رمضان)، يتعبد لله ويتأمل في ملكوت السماوات والأرض، باحثاً عن الفطرة النقية، مبتعداً عن وثنية قومه. وإذا نفد زاده، عاد إلى زوجته الداعمة خديجة رضي الله عنها، فتزوده لليالي أُخر.

اقرأ.. اللحظة التي غيّرت مجرى التاريخ

وفي يوم الإثنين، من شهر رمضان (في السنة الأربعين من عمره ﷺ)، بينما كان النبي غارقاً في تأمله وتعبده في غار حراء، تجلت إرادة السماء، ونزل عليه أمين الوحي المَلَك جبريل عليه السلام على هيئته الحقيقية. دشّن جبريل أعظم لحظة في تاريخ البشرية قائلاً للنبي ﷺ: اقرأ. فأجابه النبي ﷺ، وهو الأمي الذي لا يجيد القراءة والكتابة، خائفاً ومندهشاً: ما أنا بقارئ. فأخذه جبريل وغطّه (ضمه ضماً شديداً حتى بلغ منه الجهد والخنق)، ثم أرسله وقال ثانية: اقرأ. فقال النبي ﷺ: ما أنا بقارئ. فغطّه جبريل للمرة الثانية حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله وقال: اقرأ. فقال النبي ﷺ: ما أنا بقارئ. فغطّه للمرة الثالثة ثم أرسله، وقال تالياً أول ما نزل من القرآن الكريم: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)} [سورة العلق]. حفظ النبي ﷺ الآيات، وانصرف جبريل، تاركاً خلفه نبياً مبعوثاً للعالمين.

العودة إلى خديجة والموقف الخالد

نزل النبي ﷺ من جبل حراء يرتجف فؤاده، وترتعد فرائصه من هول ما رأى وسمع. أسرع عائداً إلى بيته وملاذه الآمن، ودخل على زوجته خديجة بنت خويلد وهو يلهث قائلاً: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي! (أي غطوني). فغطته خديجة حتى ذهب عنه الروع والخوف. ثم أخبرها بما حدث في الغار، وقال لها: لقد خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي (خاف أن يكون ما رآه مسّاً من الجن أو مكروهاً). وهنا تجلّت عظمة خديجة رضي الله عنها؛ فلم ترتعب، ولم تشك، بل وقفت موقفاً خلده التاريخ بحروف من نور، وقالت بقلب المؤمنة وعقل الحكيمة: كَلَّا وَاللَّهِ، مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَداً؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ (تساعد الضعيف)، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ (تعطي الفقير)، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ. لقد استدلت خديجة بفطرتها على أن صاحب هذه الأخلاق العظيمة لا يمكن أن يتخلى الله عنه أو يسلط عليه شياطين الجن.

ورقة بن نوفل وبشارة النبوة

لم تكتفِ خديجة بتطمين النبي ﷺ، بل أخذته وانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل. وكان ورقة شيخاً طاعناً في السن وقد عمي، وكان قد تنصّر في الجاهلية وقرأ الإنجيل وعرَف الكتب السماوية السابقة. قالت خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فقص عليه النبي ﷺ خبر ما رآه. فلما سمع ورقة القصة، أدرك بعلمه حقيقة الأمر، فهتف قائلاً: هذا الناموس (جبريل) الذي أنزل الله على موسى.. يا ليتني فيها جذعاً (شاباً قوياً)، يا ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك. تفاجأ النبي ﷺ من هذه الكلمة، فهو الصادق الأمين المحبوب في قومه، فسأل مستنكراً: أو مخرجِيَّ هُمْ؟! فرد ورقة بقاعدة تاريخية لا تتخلف: نعم، لم يأتِ رجلٌ قط بمثل ما جئتَ به إلا عُودي، وإن يدركني يومك أنصرُكَ نصراً مؤزراً. (ثم لم يلبث ورقة أن توفي).

فترة انقطاع الوحي ثم عودته (قم فأنذر)

بعد هذا اللقاء، انقطع الوحي عن النبي ﷺ فترة من الزمن (قيل عدة أشهر). حزن النبي ﷺ حزناً شديداً، واشتاق لرؤية الملك وسماع كلام الله، حتى كاد من شدة وجده وحزنه أن يلقي بنفسه من شواهق الجبال. وفي كل مرة كان يهمّ بذلك، يتبدى له جبريل ويقول: يا محمد، إنك رسول الله حقاً، فيسكن قلبه وتطمئن نفسه. وبعد فترة الانقطاع، بينما كان النبي ﷺ يمشي، سمع صوتاً من السماء، فرفع رأسه فإذا المَلَك الذي جاءه بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض. فرُعب منه، ورجع إلى بيته يقول: دَثِّرُونِي، دَثِّرُونِي (أي غطوني). فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)} [سورة المدثر]. بـ اقرأ صار نبيّاً، وبـ قم فأنذر صار رسولاً مكلّفاً بتبليغ الدعوة للناس.

الدعوة السرية والسابقون الأولون

امتثالاً لأمر الله، بدأ النبي ﷺ دعوته. ولكون مكة مركزاً دينياً للعرب يعج بالأصنام والمستفيدين منها، اقتضت الحكمة النبوية أن يبدأ الدعوة سِرّاً؛ حتى لا يواجه قريشاً بما يكرهون بغتةً فيقضوا على الدعوة في مهدها. استمرت هذه المرحلة السرية ثلاث سنوات. بدأ النبي ﷺ بعرض الإسلام على ألصق الناس به وأهل ثقته. فكان السابقون الأولون إلى الإسلام هم النواة الصلبة للدين: من النساء: زوجته السيدة خديجة بنت خويلد (وهي أول من آمن مطلقاً). من الرجال الأحرار: صديقه الوفي أبو بكر الصديق. من الصبيان: ابن عمه علي بن أبي طالب (وكان في كفالته، وعمره حينها نحو عشر سنين). من الموالي: خادمه ومتبناه زيد بن حارثة. انطلق أبو بكر الصديق رضي الله عنه -وكان رجلاً محبوباً، غنياً، ذا خلق ومعرفة بأنساب العرب- يدعو من يثق بهم، فأسلم على يديه في الأيام الأولى صفوة من شباب قريش وكبار الصحابة، وهم: عثمان بن عفان، الزبير بن العوام، عبد الرحمن بن عوف، سعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله. ثم تتابع الناس يدخلون في الإسلام واحداً تلو الآخر، سراً وخفية.

دار الأرقم بن أبي الأرقم (المدرسة الأولى)

مع تزايد عدد المسلمين (الذين قاربوا الأربعين في المرحلة السرية)، ظهرت الحاجة الماسة إلى مكان آمن يجتمعون فيه بعيداً عن أنظار قريش، ليتلقوا فيه القرآن ويتعلموا أحكام دينهم الجديد ويصلوا دون أن يؤذيهم المشركون. اختار النبي ﷺ دار شاب من المسلمين يُدعى الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي. وكان اختياره لهذه الدار عبقرية أمنية؛ فالأرقم كان فتى صغيراً (نحو 16 عاماً) فلن تشك قريش أن يجتمع الرجال في بيته، كما أنه من قبيلة بني مخزوم (قبيلة أبي جهل) ألد أعداء بني هاشم، فلا يخطر ببال قريش أن النبي ﷺ سيجعل مقره في قلب قبيلة أعدائه. في دار الأرقم، التي كانت تقع عند جبل الصفا وتطل على الكعبة، تخرجت الدفعة الأولى من الصحابة الذين حملوا على أكتافهم بناء أمة الإسلام، وتربوا على يد المعلم الأول ﷺ تربية إيمانية عميقة أعدتهم لتحمل ما سيأتي من عواصف ومحن.

اقرأ القصص الإسلامية في التطبيق

يضم تطبيق Muflihin Pro قصص الأنبياء والصحابة والسيرة النبوية مع القرآن والأذكار ومواقيت الصلاة. مجاني على Google Play.

حمّله من Google Play

جميع القصص الإسلامية