الجهر بالدعوة، قوافل المقهورين، والمقاطعة الظالمة
السيرة النبوية · ١٦ دقائق للقراءة
من صعود الصفا إلى حصار شعب أبي طالب
الصدع بالحق والوقوف على جبل الصفا
بعد مرور ثلاث سنوات من الدعوة السرية في دار الأرقم، رسخت فيها عقيدة المؤمنين الأوائل واشتد عودهم، جاء الأمر الإلهي بالانتقال إلى المرحلة العلنية. فنزل قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}، ونزل قوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}. امتثالاً لأمر ربه، صعد النبي ﷺ يوماً على جبل الصفا (وهو مكان مرتفع قريب من الكعبة)، وجعل ينادي بأعلى صوته بنداء الخطر المعروف عند العرب: يا صباحاه! فتجمعت إليه بطون قريش، فمن لم يستطع الخروج أرسل رسولاً ليرى ما الأمر. فلما اجتمعوا، أراد النبي ﷺ أن يقيم عليهم الحجة بصدقه الذي يعرفونه، فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا بصوت واحد: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً. فقال ﷺ: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ثم أخذ ينادي كل قبيلة باسمها يدعوهم لإنقاذ أنفسهم من النار. هنا، في لحظة الصمت والذهول التي أصابت القوم، خرج عمه أبو لهب صارخاً في وجهه: تبّاً لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟. فأنزل الله رداً عليه سورة كاملة تُتلى إلى يوم القيامة: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}.
مساومات قريش وثبات النبي ﷺ
لما جهر النبي ﷺ بدعوته، وسفَّه أحلام قريش وعبادتهم للأصنام، شعرت قريش بالخطر الحقيقي على مكانتها الدينية والاقتصادية بين العرب. فقرروا في البداية اللجوء إلى أسلوب التفاوض. انطلق سادات قريش إلى عم النبي وكافله أبي طالب، وطلبوا منه أن يوقف ابن أخيه عن سب آلهتهم، فردهم أبو طالب رداً جميلاً. لكن النبي ﷺ استمر في دعوته، فغضبت قريش وعادت إلى أبي طالب بلهجة التهديد والوعيد، وخيروه بين أن يُسكت محمداً أو أن ينازلوهما حتى يهلك أحد الفريقين. عَظُم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، وفي نفس الوقت لم يقدر على خذلان ابن أخيه، فاستدعى النبي ﷺ وقال له: يا ابن أخي، أبقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. ظن النبي ﷺ أن عمه قد خذله وأنه سيسلمه لهم، فدمعت عيناه، ووقف شامخاً يطلق كلمته التاريخية الخالدة: يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته. فلما رأى أبو طالب هذا الثبات العظيم، تحركت عاطفته وقال: اذهب يا ابن أخي، فقل ما أحببت، فوالله لا أُسلمك لشيء أبداً.
قوافل المقهورين واشتداد التعذيب
لما فشلت مساومات قريش، ولجأت إلى السخرية والتشويه دون جدوى، انتقلت إلى المرحلة الأقسى: التعذيب الجسدي. وتوزعت القبائل تعذب من أسلم من أبنائها ومواليها لتردهم عن دينهم. كان النصيب الأكبر من العذاب من حظ المستضعفين الذين لا عشيرة لهم تحميهم. بلال بن رباح: كان أمية بن خلف يخرجه في وقت الظهيرة حيث تشتعل رمال مكة حرارة، فيطرحه على ظهره، ويضع صخرة عظيمة على صدره، ويقول له: لا تزال هكذا حتى تكفر بمحمد. فكان بلال، العظيم بإيمانه، يكتفي بكلمة تزلزل المشركين: أحَدٌ.. أحَدٌ. حتى مر به أبو بكر الصديق فاشتراه وأعتقه لوجه الله. آل ياسر: أخذ بنو مخزوم عمار بن ياسر وأباه ياسراً وأمه سُمية يعذبونهم في الرمضاء. وكان النبي ﷺ يمر بهم يتألم ولا يملك قوة لمنعهم، فيقول: صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة. مات الأب تحت التعذيب، وجاء أبو جهل فطعن سُمية بحربة في قُبُلِها، ففاضت روحها لتُسجل في التاريخ كأول شهيدة في الإسلام. خباب بن الأرت: كانوا يوقدون له ناراً، ثم يطرحونه عليها، فلا يطفئ النار إلا شحم ظهره الشريف. حتى النبي ﷺ لم يسلم من الأذى الفيزيائي؛ فقد وضع عقبة بن أبي معيط سلا جزور (أمعاء بعير مذبوح بدمائها وأوساخها) على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد يصلي عند الكعبة، فظل ساجداً حتى جاءت ابنته فاطمة وهي تبكي فأزالته عنه.
الهجرة إلى الحبشة وموقف النجاشي
لما رأى النبي ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وهو في منعة بعمه أبي طالب، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة؛ فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً. خرجت مجموعة من الصحابة (في الهجرة الأولى ثم الثانية) تسللاً نحو البحر، وركبوا السفن إلى الحبشة. وهناك وجدوا الأمن والأمان في جوار الملك العادل النجاشي (أصحمة). لم ترضَ قريش أن يفلت المسلمون، فأرسلت وفداً بقيادة الداهية عمرو بن العاص (قبل إسلامه) محملين بالهدايا الثمينة للنجاشي وللبطارقة، ليقنعوه بتسليم هؤلاء المارقين الذين فارقوا دين آبائهم. رفض النجاشي تسليمهم قبل أن يسمع منهم. فأحضرهم، وتحدث نيابة عنهم جعفر بن أبي طالب بخطبة بليغة لخص فيها الإسلام قائلاً: أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام... حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى الله لنوحده، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء... ثم قرأ عليه صدراً من سورة مريم. فبكى النجاشي وبكت أساقفته حتى أخضلوا لحاهم، وقال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مِشْكاة واحدة. انطلقا (لقريش)، فوالله لا أسلمهم إليكما أبداً. وعاش المسلمون في الحبشة آمنين.
إسلام الفارسين: حمزة وعمر
في خضم هذا الظلام والاضطهاد، أشرقت شمس الأمل بإسلام رجلين من أشجع وأقوى رجالات قريش في السنة السادسة للبعثة. الأول: حمزة بن عبد المطلب (عم النبي ﷺ). كان عائداً من رحلة صيد، فأخبرته جارية أن أبا جهل سبّ محمداً وآذاه أذى شديداً. فأخذته الحميّة القبلية (وهو لم يسلم بعد)، وانطلق إلى الكعبة وضرب أبا جهل بقوسه فشج رأسه، وقال: أتشتمه وأنا على دينه؟!. ثم شرح الله صدره للإسلام حقاً، فكان إسلامه عزة ومنعة للمسلمين. الثاني: عمر بن الخطاب. كان شديد العداوة للإسلام، وخرج يوماً متوشحاً سيفه يريد قتل النبي ﷺ، فعلم في طريقه أن أخته وزوجها قد أسلما، فذهب إليهما وسمع منهما آيات من سورة طه. فوقع القرآن في قلبه، وذهب إلى النبي ﷺ في دار الأرقم وأعلن إسلامه. كان النبي ﷺ قد دعا قبلاً: اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك؛ بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب. فكان عمر هو المختار. بإسلام حمزة وعمر، تجرأ المسلمون لأول مرة على الخروج في صفين، وطافوا بالكعبة علانية وصَلّوا عندها.
المقاطعة الشاملة وحصار شعب أبي طالب
جن جنون قريش حين رأت الإسلام يفشو، والنجاشي يحمي المهاجرين، وحمزة وعمر يُسلمان. فقرروا استخدام سلاح الإبادة الجماعية البطيئة. اجتمعت قبائل قريش في وادي المحصب، واتفقوا على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب (مسلمهم وكافرهم إلا أبا لهب) مقاطعة تامة: لا يناكحونهم (لا يتزوجون منهم ولا يزوجونهم)، ولا يبايعونهم (لا يبيعون لهم ولا يشترون منهم)، ولا يكلمونهم، حتى يُسَلِّموا إليهم محمداً ليقتلوه. وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة توكيداً لها. انحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى وادٍ ضيق بين جبال مكة يُعرف بـ شعب أبي طالب. وهناك بدأ حصار اقتصادي واجتماعي خانق استمر ثلاث سنوات متتالية (من السنة السابعة إلى العاشرة للبعثة). مُنع عنهم الطعام، حتى جُهدوا جهداً عظيماً، وأكلوا أوراق الشجر، والجلود اليابسة، وكان يُسمع بكاء الأطفال وتضورهم من الجوع من وراء الشعب، ولا تصلهم مؤونة إلا سراً في ظلام الليل من بعض المتعاطفين. ورغم كل هذا الجوع والمرض والعذاب، لم يتراجع النبي ﷺ، ولم يسلمه بنو هاشم، بل ظل صابراً محتسباً يدعو إلى الله.
نقض الصحيفة الظالمة
لم يرضَ بعض عقلاء قريش وأشرافهم ممن بقيت فيهم مروءة العرب بهذا الظلم الفادح الواقع على أقربائهم. فقاد هشام بن عمرو تحركاً سرياً مع أربعة من سادة قريش (زهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود)، وتعاهدوا على تمزيق الصحيفة ونقض هذا الحصار. وفي صبيحة اليوم التالي، ذهبوا إلى الكعبة، وأعلنوا براءتهم من الصحيفة الجائرة وحدث جدال بينهم وبين أبي جهل. في تلك الأثناء، كان النبي ﷺ قد أخبر عمه أبا طالب (بوحي من الله) أن الله سَلّط على الصحيفة المعلقة في الكعبة الأرَضَة (دودة الخشب/النمل الأبيض)، فأكلت كل ما فيها من قطيعة وظلم، ولم تترك فيها إلا ذكر الله: باسمك اللهم. أخبر أبو طالب قريشاً بذلك، فلما فتحوا الكعبة وجدوا الصحيفة كما أخبر النبي ﷺ تماماً! سقطت المقاطعة، وبطل الحصار، وخرج النبي ﷺ وأهله من الشعب بعد ثلاث سنوات من العذاب، لتبدأ صفحة جديدة من صفحات السيرة المليئة بالابتلاءات والانتصارات.
- الجهر بالدعوة
- التعذيب
- النجاشي
- المقاطعة
اقرأ القصص الإسلامية في التطبيق
يضم تطبيق Muflihin Pro قصص الأنبياء والصحابة والسيرة النبوية مع القرآن والأذكار ومواقيت الصلاة. مجاني على Google Play.
حمّله من Google Play