Muflihin Pro

عام الحزن، رحلة الطائف، والإسراء والمعراج

السيرة النبوية · ١٨ دقائق للقراءة

من الفقد والابتلاء إلى أعظم معجزة إلهية

عام الحزن: فقدان السندين الداخلي والخارجي

بعد انتهاء حصار قريش الاقتصادي والاجتماعي القاسي للمسلمين في شعب أبي طالب، تعرض النبي ﷺ لضربتين متتاليتين في نفس العام، ففقد أهم شخصيتين في حياته على المستوى الداعم: وفاة عمه أبي طالب، ووفاة السيدة خديجة رضي الله عنها. كان أبو طالب يمثل السند الاجتماعي والقبلي القوي، رغم أنه لم يُسلم، إلا أنه وظف مكانته وسيادته في قريش لحماية ابن أخيه ومنع قريش من المساس به. وفي موته، أراد النبي ﷺ أن يثير في قلبه اليقين، فدعاه قائلاً: 'أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله'، لكن أبا طالب أبى ومات على ملة عبد المطلب. وبعد ذلك بمدة قصيرة، توفيت خديجة بنت خويلد، وكانت السكن والنصير، أول من آمنت به، وواسته بمالها، وصدقته حين كذبه الناس. جمع هذا العام بين فقدان الحماية الخارجية والرحمة الداخلية، ولذلك سُمي بعام الحزن، وجرّب النبي ﷺ في هذا العام أشد ما يكون من ألم ومرارة.

رحلة الطائف: بحثاً عن ملاذ جديد

بعد أن ضاقت مكة بالنبي ﷺ واشتد أذى قريش، قرر البحث عن أرض جديدة للدعوة، فاختار الطائف، أملاً في أن يجد عند سادتها من قبيلة ثقيف النصرة والحماية. سار النبي ﷺ إلى الطائف على قدميه ومعه مولاه زيد بن حارثة، والتقى بثلاثة من سادة ثقيف، فعرض عليهم الإسلام. كان الرد قاسياً، وتبع ذلك جهد شنيع: أغروا به سفهاءهم وعبيدهم، فاصطفوا صفين، ورموا النبي ﷺ بالحجارة، وسبّوه وهو يمر بينهم، حتى شجّ رأس زيد بن حارثة، وأدميت قدما النبي ﷺ الشريفتان حتى سال منهما الدم. فلجأ النبي ﷺ إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة، هناك أرسلا إليه غلاماً مسيحياً يدعى عدّاس بقطف من عنب. وعندما قال النبي ﷺ 'بسم الله'، دار بينهما حوار عرف منه عدّاس أنه نبي، فأكبَّ يقبل رأسه ويديه وقدميه. في ذلك البستان، ألقى النبي ﷺ دعاء الطائف الذي يفيض بالانكسار لله: 'اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس...' وهو دعاء خفيف على النفس، كبير في البركة.

ملك الجبال والرحمة النبوية

في طريق عودته إلى مكة، عند مكان يُسمى قرن الثعالب، جاء الفرج. في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم، سألت عائشة النبي ﷺ: 'هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟' فذكر لها يوم الطائف، وقال إن جبريل ناداه ومعه ملك الجبال، الذي قال: 'إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين'، فرفض النبي ﷺ الانتقام، وقال كلمته العظيمة: 'بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً'. هذا هو الموقف الذي يبرز عظمة النبي ﷺ، فبعد الإذلال الجسدي، يختار الرحمة والرجاء، لا الانتقام، فيؤسس لمدرسة نبيلة من التسامح والرحمة.

الإسراء: الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى

تسريةً عن النبي ﷺ وتعويضاً له عن جفاء الأرض، أكرمه الله بمعجزة لم ينلها بشر قط: الإسراء والمعراج. بدأت رحلة الإسراء ليلاً يقظةً بالروح والجسد من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، راكباً دابة البراق بصحبة جبريل عليه السلام. وهناك أمّ الأنبياء جميعاً في الصلاة، دلالة على انتقال إمامة البشرية وقيادتها إليه. ثبتت هذه المعجزة بالقرآن الكريم في قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} [الإسراء: 1]. وهذا الأمر ليس مجرد حركة فلكية، بل هو قصة كرامة عظيمة تُثبت صدق النبي ﷺ في الوحي، وتزيل كل شكوك المشركين في أهل الكتاب.

المعراج: الصعود إلى السماوات العلى

ثم ارتقى النبي ﷺ من بيت المقدس إلى السماوات العُلى في رحلة معراج لا يراها إلا من كُتب له من الأنبياء والمرسلين. وفي كل سماء كان يستقبله نبي: آدم في الأولى، عيسى ويحيى في الثانية، يوسف في الثالثة، إدريس في الرابعة، هارون في الخامسة، موسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة. ثم وصل إلى سدرة المنتهى، حيث لم يصله ملك مقرب ولا نبي مرسل، ورأى جبريل على صورته الحقيقية. وقد وصف الله هذه اللحظة في قوله: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ} [النجم: 13-14]. وفي هذا المقام الأعلى، فرض الله الصلوات الخمس مباشرة دون واسطة، إذ كانت أولاً خمسين صلاة، ثم خففها الله إلى خمسة في الأداء و50 في الأجر والميزان، بمشورة موسى عليه السلام. إن هذه المعجزة ليست مجرد حدث فخري، بل هي تعظيم للعبادة وتثبيت للتوحيد والرسالة.

موقف قريش وأبي بكر الصديق

وعند عودته إلى مكة، أخبر النبي ﷺ قريشاً بالمعجزة، فكذبوه واستهزأوا به، وطالبوه بوصف بيت المقدس، فصَفَه لهم بدقة. ثم مضى المشركون إلى أبي بكر الصديق يظنون أنه سيكفر بصاحبه، فكان رده الحاسم: 'لئن كان قال ذلك لقد صدق... إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة'. وبسبب هذا الموقف لقّب أبو بكر بـ الصديق، لأن صدقه في هذه القصة لا يحده شيء إلا صدق الأنبياء. وقد كان موقفه نموذجاً في الإيمان العميق، وفي غلبة الحق على الشبهات والاعتراضات.

ملخص الروح والعبرة

هذا الجزء يمثل ذروة الابتلاء في السيرة، فقد عُرض النبي ﷺ للفقد، والتعذيب، والهرب من الظلم، ثم أُكرم بالرحلة العظمى من المسجد الحرام إلى البيت المقدس ومنه إلى السماوات، ثم فرضت الصلاة في أعظم نعمة وأغلى تكريم. يروي هذا المنعطف تاريخاً من الضعف الإنساني إلى القوّة الإيمانية، ومن الإحباط إلى الإيمان، ومن المظلمة إلى المعجزة، حتى يعلم المسلم أن الله لا يترك عبده حين يبتليه، بل يمهّده إلى أرفع مقام ممكن في الأرض والسماء.

اقرأ القصص الإسلامية في التطبيق

يضم تطبيق Muflihin Pro قصص الأنبياء والصحابة والسيرة النبوية مع القرآن والأذكار ومواقيت الصلاة. مجاني على Google Play.

حمّله من Google Play

جميع القصص الإسلامية