Muflihin Pro

عام الوفود، حجة الوداع، والوفاة النبوية

السيرة النبوية · ٢٥ دقائق للقراءة

من اكتمال الدين إلى الرفيق الأعلى

عام الوفود: قبائل الجزيرة تندفع إلى الإسلام

بعد فتح مكة وغزوة تبوك، أدركت قبائل العرب أن الدولة الإسلامية أصبحت القوة العظمى في شبه الجزيرة العربية، وأن محمداً ﷺ نبيٌّ صادق. فتوافدت القبائل من كل حدب وصوب إلى المدينة المنورة لتعلن إسلامها وولاءها. استقبلت المدينة عشرات الوفود من شتى أنحاء الجزيرة العربية، من أقصى اليمن جنوباً إلى أطراف الشام شمالاً. من أشهر الوفود: وفد ثقيف، وفد بني تميم، وفد عبد القيس، وفد بني حنيفة، ووفد نجران (نصارى اليمن). كان النبي ﷺ يلقى هذه الوفود في المسجد النبوي الشريف، يقرئهم القرآن، ويعلمهم شرائع الإسلام، ويرسل معهم خيرة الصحابة كمعلمين وقضاة وجباة للزكاة، مثل معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري إلى اليمن.

أهمية عام الوفود في تكوين الدولة

تحول الإسلام من دين إقليمي في المدينة ومكة إلى دين شبه الجزيرة العربية بأكملها. زالت النعرات القبلية والتفرقات، وتوحدت القبائل العربية لأول مرة في تاريخها تحت عقيدة واحدة ونظام سياسي واجتماعي موحد. هذه المرحلة كانت في الواقع مرحلة التمام الحضاري: لا يقتصر الإسلام على مكة والمدينة فحسب، بل أصبح له حضور في شتى أنحاء البلاد. في هذا العام نزلت سورة النصر تصف هذا الحدث التاريخي: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} [النصر: 1-2].

الخروج إلى الحج: مشهد إيماني مهيب

أعلن النبي ﷺ نيته للحج، فتقاطر المسلمون إلى المدينة من كل مكان ليركبوا معه ويقتدوا بمصاحبه. خرج النبي ﷺ من المدينة في أواخر ذي القعدة سنة 10 هـ، ومعه أكثر من 100000 مسلم في مشهد إيماني مهيب. هذا الحج لم يكن مجرد ركن من أركان الإسلام، بل كان حجة الخاتمة، حجة من يريد أن يضع أسس قيم جديدة في العالم، ويعلم الأمة كيف تخرج للناس مفهومة وموحدة.

خطبة الوداع: قانون human rights في الإسلام

في اليوم التاسع من ذي الحجة (يوم عرفة)، وقف النبي ﷺ على جبل الرحمة في عرفة، وألقى خطبته الخالدة التي شملت جوامع الكلم والمبادئ الأساسية للإسلام. قال: 'إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا.' ثم قال: 'يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى'. كما قال: 'فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله'. أعلن إبطال الربا، وإسقاط دماء الجاهلية وثارها، وأوصى بالتمسك بالقرآن: 'تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله'.

نزول آية إكمال الدين: كمال الرسالة واستكمال النعمة

في أثناء وقوفه بعرفة، نزلت الآية الكريمة التي أعلنت تمام الرسالة وختام الشرائع: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]. لما سمعها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بكى، ولما سُئل عن بكائه قال: 'إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان'. فشعر أن أجل النبي ﷺ قد اقترب. إن هذه الآية ليست مجرد نص ديني، بل هي شهادة تاريخية على أن الدين قد وصل إلى غايته، وأن الرسالة قد أُتمت، وأن ما بقي بعد هذا هو خدمة هذا الدين واستمراره.

التوثيق المصَدري لحجة الوداع

روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أطول وأدق حديث في وصف حجة الوداع خطوة بخطوة. وروى البخاري ومسلم نص خطبة الوداع وأحكام الحج المأخوذة عنه ﷺ: 'لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه'. وقد اتخذت هذه الخطبة مكانة مميزة في تاريخ المسلمين، لأنها جمعت القيم الأساسية: التشريع، والتوحيد، وحقوق الإنسان، والعدل، والمساواة.

بداية المرض: دنو الأجل في حياة النبي ﷺ

بعد عودته من حجة الوداع بأشهر قليلة، بدأت علامات ودع الدنيا تظهر على النبي ﷺ. في أواخر شهر صفر 11 هـ، بدأ المرض يشتد عليه بصداع وحمى شديدة. استأذن زوجاته أن يُمرّض في حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها، فأذنّ له. كان المرض في البداية خفيفاً لكنه ازداد شيئاً فشيئاً حتى أصبح يثقل الحركة والصلاة. فإذا ثقل عليه المرض، أمر بأمر صريح: 'مروا أبا بكر فليصل بالناس'. فصلى أبو بكر بالمسلمين 17 صلاة في حياة النبي ﷺ، وفي ذلك إشارة إلى إمامته بعده.

وصاياه الأخيرة: الصلاة، والأنصار، والقبور

قبل وفاته بأيام، خرج متوكئاً على علي بن أبي طالب والفضل بن العباس، وخطب في الناس آخر خطبه. أوصى بالأنصار خيراً، وحذر من اتخاذ القبور مساجد، وكان ينادي حتى آخر لحظات حياته: 'الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم'. ومما يبرز عمق رسالته أن توجيهاته كانت في غاية البساطة والوضوح: لا تعلّمون من الناس، اتقوا الله، حافظوا على الصلاة، وأحسنوا إلى العبيد والموالي. هذا كان آخر رسالة قلبية من النبي ﷺ قبل أن يكتمل دينه ويُرِفق به.

لحظة الوفاة الشريفة: الرفيق الأعلى

في ضحى يوم الإثنين 12 ربيع الأول 11 هـ (الموافق 8 يونيو 632 م)، اشتد عليه السكرات، وكان يضع يده في إناء فيه ماء ويمسح بها وجهه ويقول: 'لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات'. أسندت السيدة عائشة رأسه الشريف إلى صدرها، فنظر إلى السماء، ورفع إصبعه الشريفة، وكانت آخر كلماته التي كررها ثلاثاً: 'بل الرفيق الأعلى... بل الرفيق الأعلى... بل الرفيق الأعلى'. فاضت روحه الشريفة، وسقطت يده، وتوفي وهو في الثالثة والستين من عمره. كانت هذه اللحظة الخالدة تبرز أن النبي ﷺ قد انتهى من قيامه وحمل رسالته، واستعد للانتقال إلى ربه.

موقف الصحابة: الصدمة ثم الاستقرار

وقع النبأ كالصاعقة على المسلمين، وذهل الصحابة لشدة الصدمة، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استل سيفه وأنكر موته وقال: 'من قال إن محمداً قد مات ضربت عنقه بالسيف'. ثم أقبل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بثبات وحكمة، فدخل على النبي ﷺ وقبّله بين عينيه وقال: 'طِبتَ حياً وميتاً يا رسول الله'. ثم خرج للناس وخطب خطبته التاريخية العظيمة التي ضبطت إيمان الأمة: 'ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت'. ثم تلا قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144]. فكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر.

الغسل والتدفين: احترامٌ لواجب الرسالة

غسّله أهله (علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب وابناه الفضل وقثم، وصالح مولاه) وثيابه عليه احتراماً لجسده الشريف. صلى عليه المسلمون أرسالاً (فرادى) بدون إمام، دخل الرجال ثم النساء ثم الأطفال. دُفن ﷺ في نفس الموضع الذي تُوفي فيه داخل حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها، عملاً بحديثه الذي رواه أبو بكر: 'ما قُبض نبي إلا دُفن حيث يُقبض'. كان هذا الوداع الأخير للرسول ﷺ على الأرض، ثم انتقل إلى مقامِه الذي لا يعرفه إلا الله.

خاتمة السيرة: رسالة كاملة، وعهد طويل

تمثل هذه المرحلة ختام السيرة العطرة للنبي ﷺ؛ حيث تم إكمال الدين، وتوضحت معالم الشريعة، وتوحدت شبه الجزيرة العربية تحت التوحيد، وارتفع الرفيق الأعلى في حياة النبي ﷺ وهو يترك الأمة في أمان. اختلفت مواضع التحدي، وتنوعت مراحل الجهاد، لكن الرسالة كانت واحدة: إعمار الأرض بالعلم، وإقامة العدل، وإصلاح القلوب، وجعل الإنسان يقف بين الله وبين نفسه. هذا هو الخاتم الذي لا يملأ الحزن من جلاله، بل يملأ القلب بالعلم والرحمة، ويثبت أن السيرة النبوية ليست قصة زمنية فقط، بل هي مدرسة للحياة.

اقرأ القصص الإسلامية في التطبيق

يضم تطبيق Muflihin Pro قصص الأنبياء والصحابة والسيرة النبوية مع القرآن والأذكار ومواقيت الصلاة. مجاني على Google Play.

حمّله من Google Play

جميع القصص الإسلامية