صلح الحديبية وفتح مكة
السيرة النبوية · ٢٤ دقائق للقراءة
من الهدنة إلى انتصار الفتح المبين
الرؤيا والخروج للعمرة: مقصد السلام لا القتال
رأى النبي ﷺ في المنام أنه يدخل المسجد الحرام هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين. فأنذر أصحابه بالتمهيد للعمرة، وأعلن التجهز لها، ولم يكن niّ يريد القتال، بل كانت رسالته في هذا السفر أن يثبت أن المسلمين جاءوا للزيارة والبراءة من العداء، لا للتحيز أو العدوان. خرج معه 1400 صحابي، ولم يسوقوا معهم إلا سلاح الراكب (السيوف في القرب)، وساقوا الهدي (70 بدنة) لإظهار القصد السلمي للزيارة. كان هذا البعثة في جوٍّ مفعم بالحضور الديني والرحمة، لا بغرض الاستفزاز.
المنع والنزول بالحديبية: قرار السلام رغم القسوة
علمت قريش بخروج المسلمين، فخرجت بجيش لمنعهم، وأرسلت خيلها بقيادة خالد بن الوليد لقطع الطريق. سلك النبي ﷺ طريقاً وعراً لتفادي المواجهة، حتى وصل إلى منطقة الحديبية على أطراف مكة. هناك بركت ناقته القصواء، فقال: 'ما خلأت القصواء، ولكن حبسها حابس الفيل'، وأعلن إصراره على السلام: 'والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة تسألني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها'. كان هذا القرار رمزاً للسيطرة على النفس، لأن النبي ﷺ اختار الصبر على العنف حتى في لحظة التهديد.
بيعة الرضوان: التزام لا يرحل في سبيل الله
أرسل النبي ﷺ عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى قريش ليؤكد لهم أن المسلمين جاءوا زائرين للبيت الحرام وليسوا مقاتلين. تأخر عثمان في مكة، وشاعت شائعة في معسكر المسلمين أن قريشاً قد قتلته. دعا النبي ﷺ أصحابه إلى البيعة على القتال وعدم الفرار، فبايعه الصحابة جميعاً تحت شجرة سمرة. وسُميت هذه البيعة بـ بيعة الرضوان. خلّد الله هذه البيعة في سورة الفتح: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18].
مفاوضات الصلح وشروطه الصعبة
حين تبين أن عثمان لم يُقتل، أرسلت قريش مفاوضها سهيل بن عمرو للاتفاق على الصلح. كان من شروط الصلح التي امتازت بالصعوبة الظاهرة على المسلمين: 1) إيقاف الحرب بين الطرفين لمدة 10 سنوات، 2) تأجيل العمرة هذا العام، وأن يدخل المسلمون مكة للعمرة في العام القادم ويقيموا فيها 3 أيام فقط، 3) حرية التحالف: من أراد أن يدخل في عهد النبي ﷺ دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه، 4) بند يرد الهاربين: من أتى محمداً من قريش مسلماً بغير إذن وليه رده إليهم، ومن أتى قريشاً من أصحاب محمد لم يردوه إليه. كانت هذه المصالحة محنةً شديدة، لأن ظاهرها كأنه انكسار، لكنه في الحقيقة كان مشروعاً عسكرياً واستراتيجياً فاتحاً.
موقف الصحابة وحكمة أم سلمة
حزن الصحابة حزناً شديداً لشروط الصلح، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جادل النبي ﷺ وقال: 'ألست نبي الله حقاً؟ ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ فعلام نعطي الدنية في ديننا؟' فقال له النبي ﷺ بثبات: 'إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري'. وعندما فرغ النبي ﷺ من كتابة الصلح، قال لأصحابه: 'قوموا فانحروا ثم احلقوا'، فلم يقم منهم أحد من شدة الحزن والذهول، فكررها ثلاثاً. دخل النبي ﷺ على زوجته أم سلمة رضي الله عنها حزيناً وذكر لها موقف الناس، فأشارت عليه برأي حكيم سديد: 'يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حافلقك فيحلقك'. فخرج النبي ﷺ وفعل ذلك، فلما رآه الصحابة قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق لبعض.
ثمار الصلح الاستراتيجية: فتح المراسلات والانتشار العالمي
نزلت سورة الفتح على النبي ﷺ في طريق عودته، وقال عنها: 'لقد أُنزلت عليّ الليلة سورةٌ هي أحبُّ إليّ مما طلعت عليه الشمس'، وقرأ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} [الفتح: 1]. استغل النبي ﷺ الهدنة واستتباب الأمن، فبدأ بمراسلة ملوك وأمراء العالم يدعوهم للإسلام مثل قيصر الروم، وكسرى فارس، والمقوقس حاكم مصر، والنجاشي ملك الحبشة. خلال سنتين فقط من الصلح، دخل في الإسلام أعداد تزيد عن كل من دخل فيه منذ بداية الدعوة، ومنهم قادة كبار مثل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص. إن هذه المرحلة تُظهر أن أيسر طريق النصر ليس دائماً القتال المفتوح، بل في اختياره الحكيم والاستعداد الطويل الأمد.
سبب الفتح: نقض قريش للعهد واستهداف خزاعة
حرضت قريش حليفتها قبيلة بني بكر وزودتها بالسلاح لقتال قبيلة خزاعة حليفة المسلمين، وأعانتهم قريش سرّاً في الليل وقتلوا منهم أناساً عند البيت الحرام. خرج عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة، ووقف أمام النبي ﷺ ينشده أبياتاً يستنصره فيها، فقال له النبي ﷺ: 'نُصرتَ يا عمرو بن سالم'. أدركت قريش خطورة فعلتها، فأرسلت أبا سفيان بن حرب إلى المدينة لتجديد الصلح وزيادة مدته، ولكن النبي ﷺ رفض مقابلته وعاد أبو سفيان خائباً. فكانت هذه نقطة الانتهاك الذي فرض على المسلمين اتخاذ القرار بفتح مكة بعد صبر طويل.
التجهيز والتحرك السري للفتح
أمر النبي ﷺ بالتجهز للغزوة وأخفى الوجهة حتى لا تأخذ قريش أهبتها فتحدث مقتلة في مكة، ودعا: 'اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نأخذها بغتة في بلادها'. بادر المسلمون إلى التجهيز، وكانوا يعرفون أن قريش تملك فهماً حاداً وتقنية في المراوغة، لذلك وجب أن يكون الدخول على غير انتظار. حدثت مسألة حاطب بن أبي بلتعة الذي كتب رسالة سرية لقريش يحذرهم. نزل الوحي، فأرسل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فأدركا المرأة واستعادا الكتاب. ولما سأل النبي ﷺ حاطباً، قال إنه فعل ذلك ليصنع يداً عند قريش تحمي أهله هناك وليس كفراً. فقال عمر: 'دعني أضرب عنق هذا المنافق'، فقال النبي ﷺ: 'إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم'.
الزحف إلى مكة ووصول الجيش الجرار
خرج النبي ﷺ في 10 رمضان من السنة 8 هـ على رأس جيش جرار بلغت عدته 10000 مقاتل. عندما وصل الجيش إلى مرّ الظهران (قريب من مكة)، أمر النبي ﷺ الجند أن يوقدوا 10 آلاف نار ليلاً لإرهاب قريش وإقناعها بالتسليم دون قتال. خرج أبو سفيان يستطلع، فاعترضه العباس بن عبد المطلب وأخذه إلى النبي ﷺ، فأسلم أبو سفيان. وكان هذا أول ظهور عملي من جهة العدو الذي بدأ يقتنع أن لا جدوى من المقاومة.
الأمان العام ودخول المدينة الحرام
أعلن النبي ﷺ قرار الأمان الشهير لتأمين أهل مكة: 'من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن'. هذا الإعلان كان ضرباً من المعجزة الإنسانية، يثبت أن القائد العظيم لا يملك غلبة من أجل الانتقام، بل يريد أن يفتح قلوب الناس ويدفعهم إلى التوحيد والرحمة. دخل الجيش الإسلامي مكة من أربعة محاور في صباح يوم الجمعة 20 رمضان 8 هـ. دخل النبي ﷺ مكة راكباً ناقته، متواضعاً لله عز وجل، خافضاً رأسه الشريف حتى كادت لحيته تمس رحل ناقته من الشكر لله.
تطهير الكعبة وتكريس العفو العام
اتجه النبي ﷺ مباشرة إلى المسجد الحرام، وطاف بالبيت، وكان حول الكعبة 360 صنماً. جعل يطعن الأصنام بقوس في يده ويقول: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81]، فتساقطت الأصنام على وجوهها. دخل الكعبة وصلى فيها، ثم وقف على بابها وقريش مجتمعة في صحن المطاف تنتظر حكمه فيهم بعد 21 عاماً من الأذى والحروب والاضطهاد. قال لهم النبي ﷺ: 'يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟' قالوا: 'خيراً، أخٌ كريم، وابن أخٍ كريم'. فقال كلمته التاريخية الخالدة: 'أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ}، اذهبوا فأنتم الطلقاء'.
نتائج الفتح والتحول العالمي
بفتح مكة سقطت معاقل الشرك في شبه الجزيرة العربية، وأقبل الناس على الدخول في الإسلام جماعات. نزل في الفتح سورة النصر: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}. وثق البخاري ومسلم أحداث صلح الحديبية وبيعة الرضوان ودخول مكة وتحطيم الأصنام وخطبة الفتح بأصح الأسانيد. وبهذا انتهت مرحلة التهديد القروي، وبدأت مرحلة التوسع في العالم، واتضح أن الفتح الحقيقي لا يكون فقط بفتح الحصون، بل بفتح القلوب والضمائر.
- الحديبية
- الفتح
- مكة
- العمرة
- الصلح
اقرأ القصص الإسلامية في التطبيق
يضم تطبيق Muflihin Pro قصص الأنبياء والصحابة والسيرة النبوية مع القرآن والأذكار ومواقيت الصلاة. مجاني على Google Play.
حمّله من Google Play